الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 29

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

الأشكال السردية العربية الوسيطة - فإنها تشير أيضا إلى أن الجمهور الّذي كان يتوجه إليه هؤلاء الكتاب إنما هو جمهور كانت " التقليدية " سمة مؤثرة في ثقافته ؛ إذ كان يطالب كتاب هذا الشكل بالحرص على " المرويات الصحيحة " مما كان يدفع بعض الكتاب - مثل جميل نخلة المدور - إلى إعادة صياغة بعض الوقائع وتناولها ( بشيء من التهذيب والتنقيح وتبديل الروايات الضعيفة بما هو أصح وأثبت عند أئمة النقل ) ( 20 ) . وكان كتاب الرواية التاريخية يسعون إلى تقديم وصف تاريخي وجغرافى دقيق ومفصل وموثق للأماكن التي تدور فيها أحداث رواياتهم ، بينما نحا بعضهم أحيانا إلى الاهتمام بإيراد التفاصيل التاريخية أكثر من العناية بإحكام ( الخيال في خلق صورة حية واقعية ) ( 21 ) للمجتمعات أو الفترات التاريخية التي يصورونها . وقد دفع المسعى التعليمي المباشر كتاب الرواية التاريخية إلى الاتكاء على تقنية الاستطراد ؛ إذ كان كاتب هذا الشكل يتخذ من أحداث روايته وسيلة لتقديم معلومات عن عصرها ، أو تقديم النصائح والمواعظ والحكم والتوجيهات المباشرة ( 22 ) . كما تتجلى الظاهرة نفسها في " علم الدين " حيث ينتقل الراوي بين عدة مسامرات تختلف في موضوعاتها مما يضعف من دور الرابطة الأساسية التي تربط هذه المسامرات ( 23 ) . لقد كان كتّاب نمطى الرواية التاريخية والرواية التعليمية يسعون - كل بطريقته إلى اتخاذ التشكيل السردى وسيلة ناجعة لتعليم جمهور المتلقين ، وهذا ما حدد دور " الخيال " في تشكيل حبكات أعمالهم ؛ إذ ثمة صيغ مختلفة لتشكيل الحبكة ؛ منها صيغة تقوم على الجمع بين حكاية وقائع تاريخية وحكاية متخيلة غالبا ما تكون حكاية عاطفية ؛ وإذا كانت الحكاية الأولى تتشكل من عناصر قدمتها المصادر العربية القديمة عن الشخصية أو الفترة موضوع الرواية فإن الحكاية المتخيلة قد تستند إلى شخصيات تاريخية يملك الكاتب حرية الإفاضة في سلوكها أو ابتكار أحداث تنسب إليها أو مجاوزة بعض الأطر التاريخية في تصويرها له ، على نحو ما يبدو في تصوير جرجى زيدان لشخصية أبى العتاهية في روايته " العباسة أخت الرشيد " ( 24 ) .